مرّت، منذ يومين، الذكرى الخامسة لاستشهاد عبد القادر الصالح “حجي مارع” أحد أبرز القيادات الميدانية في الثورة السورية، وقائد لواء التوحيد، الذي حظي بشعبية كبيرة في صفوف المدنيين والعسكريين على حدّ سواء، ليتحول الرجل الشهيد إلى أيقونة، ولتأخذ صوره مكاناً لها في بيوت السوريين، بشريطة سوداء، وكأنه فرد من العائلة، وما زالت حتى الآن صورة لكثير من “بروفايلات” وسائل التواصل الاجتماعي.
قلّما اتفق السوريون على محبة أحد ما، خاصة إن كان أحد القيادات العسكرية، كما اتفقوا على حب “حجي مارع”، الذي لم يكن له حضور سابق (قبل الثورة)، ولم يكن معروفاً في الأوساط الثقافية أو السياسية، ولا حتى الاجتماعية، ولم يكن من “المعتقلين السياسيين السابقين”، والذين حملوا في نفوس السوريين “مكانة خاصة”، احتراماً “لمسيرتهم النضالية”، و”سنوات اعتقالهم”، وشعورنا بـ “الغبطة والحسد” تجاههم، خاصة في زمن الثورة، إذ كان لهم قصب السبق في الثورة على الظلم، والتضحية في سبيل ذلك بحياتهم وحريتهم.
خلال سنوات حكم الأسد الأب، والسنوات الأولى من حكم الابن، كانت الفكرة العلنية التي تسيطر على كثر من الشباب السوري، كره “أولئك” المعتقلين المخربين، ووصمهم بالخيانة والتآمر، كان الارتباط وثيقاً بين “معارضة النظام في سوريا”، والتبعية لـ “مشاريع استعمارية أمريكية وإسرائيلية”، تريد تفتيت “بلادنا الهانئة” وتسعى لإثارة “الفوضى” في صفوف أبناء “سوريا المستقرة” و “المقاومة والممانعة” إلى آخر هذه الصفات التي لُقّناها منذ نعومة أظافرنا، أطفالاً في طلائع البعث أو مراهقين في شبيبة الثورة، أو شباناً في الاتحاد الوطني للطلبة، إضافة إلى الوحدات الشبيبية والحلقات الحزبية.
نادراً ما كان أحدنا قد سمع باسم “معتقل سياسي”، نحن “نكرههم وفقط”، دون أن نعرف أسباب هذه الكره، بل ونتمنى بقاءهم في “المعتقلات”، و “الموت هناك” مبررين كل ما يعانوه من “ظلم وتعذيب”، فهذا “جزاء الخونة والمارقين”، وإن حصل وأُفرج عن بعضهم، فقد كانت “مكرمة” من “قيادتنا التي لا تخطئ”، والتي من المؤكد أنها “حاسبة حساب لكل شي، ومراقبتون 24 ساعة”، كيف لا وقد كانت قناعة راسخة في أذهاننا أننا نملك “ثالث أقوى استخبارات عالمية”، بعد الأمريكية والروسية، ومنذ زمن بعيد قد تجاوزنا “العدو الصهيوني وموساده الغبي”.
لن نعلّق أخطاءنا وقناعاتنا كلها على “رجال النظام وأمنه”، فنحن نتحمل جزءاً ليس بقليل من هذه المسؤولية، بداية من آبائنا الذين سيطر عليهم الخوف، فعاشوه وأورثونا ما أريد لنا أن نعرف، هم الذين عايشوا حقبة الأسد منذ بدايتها ليُغفلوا، عن قصد، الحديث في هذه القضايا العالقة، وتصحيح نظرتنا تجاه الأحزاب التي مُنعت والمعتقلين الذين نسوا في سجونهم، والأموال التي نهبت، وليس انتهاء عند مثقفينا وأساتذتنا الذين واظبوا في كل يوم على تأكيد ولائهم من خلال ترسيخ هذه المفاهيم الخاطئة في أذهاننا، وصولاً إلينا، نحن الذين لم نرد لقناعاتنا أن تتغير، ولم نتعب أنفسنا ولو قليلاً بالبحث عن ما يعارض الفكرة “المتأصلة” في عقولنا ووجداننا.
ليست قضية المعتقلين وحدها من ورثنا كرهها بـ “العنعنة”، فهناك عشرات القضايا والأفكار والأنظمة، التي كرهناها وحاربناها، كما أريد لنا، فنحن نكره تركيا “مغتصبة لواء اسكندرون” والعثمانيون الذي احتلونا لـ “400 عام” لتجهيلنا وسرقة خيرات بلادنا، ونحن أيضاً نحب تركيا لأسباب أخرى، وانفتاح جديد، نحن نكره “صدام حسين” ونتهمه بـ “العمالة” وبـ “المساهمة في زعزعة استقرارنا”، ونحب صدام حسين في حربه ضد أمريكا، ونضع صوره على جدراننا وسياراتنا، نكره ونحب جمال عبد الناصر، وأنورالسادات وحكام الخليج ورؤساء أمريكا والقائمة تطول.
ربما لم يكن حال السوريين في الثورة، أفضل من سابقه، فما زلنا حتى اليوم نعاني من استسهال في قضية الحب والكره، وتبعية لأشخاص أو مؤسسات تفكر عنا وتصدر لنا ما يجب أن نحب أو نكره، فنحن نكره ونحب تحرير الشام وأحرار الشام والشرقية ودرع الفرات ووو، كما نحب ونكره أشخاصهم وقياداتهم، كلّ منا يتبع في رأيه لأشخاص تصدرّوا المشهد، وسوّقوا لمن يريدون، تبعاً لأهوائهم أو مصالحهم أو حتى لقناعاتهم.
لا أنكر حب “حجي مارع”، وليس لدي أي موقف ضده، ولكن علينا أن نبحث في “أسباب الحب والكره” ونتخلى عن “العنعنة”، إلى المواقف والسلوك ودراسة الشخصيات ومعرفة مسيرتهم، كيلا “نهمّش” من جديد.