أنهت الحرب السورية وجود العشرات من الحرف اليدوية، والتهمت آلاف الورش الصغيرة، ليتحوّل صناعها إلى القتال أو إلى مهن أخرى، لأسباب تتعلّق بالكلفة العالية لإعادة افتتاح ورشهم الصغيرة، بعد دمارها وسرقة محتوياتها، أو ضعف سوق التصريف، ودخول المواد المستوردة من البلدان المجاورة ومنافستها في السوق المحلية، بأكلاف أقل، ولكن بجودة أقل أيضاً، وقلة المواد الأولية، وهو ما انعكس على سوق “الموبيليا” المتضرر الأكبر، والذي كانت مدينة داريا “المكان الأهم” له، إذ ضمت المدينة “قبل الثورة” ما يزيد عن 2500 ورشة صغيرة لحرفة النجارة والموبيليا، يعمل فيها ما يزيد عن عشرة آلاف من العمال.

ومع عودة “سوق المفروشات في دمشق” لفتح أبوابه أمام البضائع الجديدة من الموبيليا (غرف نوم –خزائن –كومودينات –فاترينات)، بدأ أهالي داريا من النازحين في دمشق بالعودة إلى مهنتهم “الأصيلة”، على حد قولهم، فـ “الهمة موجودة”، والشغف بهذه الحرفة ما زال “حاضراً”، وإن كانت المعوقات كبيرة.

“أشعر بسعادة كبيرة فبعد غياب طويل عدت إلى مهنتي التي أتقنتها منذ الصغر” يتحدث أبو توفيق وهو منهمك في قطع “دف طويل من خشب الحور” باستخدام (الشلة) ذات الهدير العالي، كما كان يفعل سابقا في داريا. يتوقف أبو توفيق عن العمل بعد أن قطع اللوح إلى قطع طويلة ثم جمعها مع بعضها مستخدماً “الغراء وكباسة يدوية” ويجلس لاحتساء الشاي الخمير (سكر زيادة) على طريقة نجاري “الأيام الخوالي”.

أبو توفيق واحد من آلاف “عمال النجارة” الذين أجبرتهم ظروف الحرب على النزوح من داريا إلى أماكن أكثر أمناً في الريف الدمشقي، ليعمل في “الزراعة”، إلّا أنه وبعد 5 سنوات استطاع توفير بعض المال اللازم لشراء المعدات وافتتاح ورشة صغيرة “قبل الثورة كان نصارى داريا يختصون بتصنيع معدات هذه المهنة ويديرون متاجر كبيرة لبيع لوازمها وكنا نشتريها منهم واليوم بتنا نشتريها من دمشق بعد انهيار كل شيء نتيجة لفقدان داريا”. يتحدث أبو توفيق

وتعتبر مهنة النجارة إحدى أكبر ثلاث مهن يمهر بها سكان داريا إلى جانب الزراعة والتجارة. ومع اندلاع المعركة هجر قرابة 10 آلاف عامل بالموبيليا ورشاتهم على أمل العودة قريباً وهو مالم يحدث بسبب المعركة التي طالت حتى منتصف 2016. تركز التواجد الكثيف لنجاري داريا في دمشق والريف الدمشقي كنتيجة طبيعية لتواجد قرابة 100 ألف ديراني في المنطقة. بينما توجه عدد قليل منهم إلى إدلب (بعض العوائل والمقاتلين الذين هجروا من المدينة ضمن اتفاق الإخلاء) لا يتجاوزون 1 بالمائة من عدد أهالي داريا.

خلال المعركة التي استمرت أربع سنوات متواصلة تعرضت أغلب محلات ومعارض الموبيليا للدمار. معظم المعدات طالها العطب بفعل الركام. إحدى الحارات التي تضم قرابة عشرة مناشر وسط المدينة غدت كومة من الركام لدرجة أن أصحاب هذه المحلات لم يتعرفوا عليها للوهلة الأولى بعد زيارة خاطفة لداريا سمح بها النظام منذ عدة أسابيع.

حالف الحظ القليل من النجارين فتمكنوا من إخراج معداتهم وغرف النوم الجاهزة المخزنة في المستودعات في بداية المعركة، يقول الحاج أبو محمد إن تمكنه من الحصول على معداته وتوفر بعض المال بين يديه شجعه على الإسراع بافتتاح ورشة في منطقة نزوحه قرب دمشق، ولأن منطقة حوران التي اعتادت داريا على توريد الموبيليا لتجارها كانت مشتعلة فإن “أبو محمد” ونجاري منطقته يلجؤون حاليا لتصريف البضائع في أسواق دمشق.

يحمل الحاج الذي تجاوز الخمسين قطعاً طويلة من خشب الشوح ويمررها بغية جليها على (الرابوب) لجعلها ناعمة وجاهزة للتجميع ثم (الطب) باستخدام ألواح الـ (إم دي إف) كغطاء على الوجهين وبينهما كميات كبيرة من الغراء، وهذه الطريقة هي “الأساس” في تصنيع أي قطعة من الموبيليا.

في إدلب لا يمكن للمرء أن يلمح الكثير من ورشات الموبيليا أو معارضها التي تخص أهل داريا كتلك التي افتتحها نظراؤهم في مناطق النظام. يعود السبب كما يشير النجار “محمود” الذي يقطن في المدينة إلى أن هذه المهنة تعتبر “شبه خاسرة” في الشمال السوري نظراً لتكاليفها العالية ولجوء السكان لشراء الموبيليا التركية التي تعتبر جميلة وخفيفة ورخيصة الثمن.

ومع أن مسألة التكاليف يمكن التغلب عليها بالنسبة للبعض، كما أن أبواب تركيا مفتوحة لشراء لوازم المهنة وبعض أنواع الخشب ويمكن للنجارين شراء أخشاب أخرى مثل الزان والشوح والحور من مناطق النظام إلا أن فكرة بث الحياة في هذه المهنة لا تراود الكثيرين في إدلب. حول هذا يعلق محمود قائلاً “السبب في نظري هو حالة عدم الاستقرار التي نعيشها فالرغبة في اجتياز الحدود نحو تركيا تساورنا دائماً”.

يختلف الوضع في تركيا عنه في إدلب القريبة فقد وجد أغلب الذين يمتلكون أدنى خبرة بمهنة النجارة فرصة عمل لكن مع فارق الشبه بينها وبين مناطق النظام، إذ لم يستطع نجارو داريا حتى اللحظة على الأقل افتتاح ورشاتهم الخاصة كونها مكلفة كما يؤكد “حسن” الذي يعمل في أحد مصانع الموبيليا ببورصة أنيكول. يتقاضى العامل الذي يمتلك الخبرة راتباً جيداً بحسب حسن ومع ذلك “الرغبة في امتلاك ورشة مثل أيام داريا لا تغيب عن بالنا أبداً”.

كانت داريا تعج قبل سنوات الثورة بمئات النجارين وتجار الموبيليا والمفروشات وتشتهر غرف النوم الديرانية المصنوعة من خشب الزان أو الحور والمبخوخة بالبويا أو المغلفة بالفورميكا بجودتها ومظهرها الجميل، إضافة لأسعارها الرخيصة التي شجعت سكان العاصمة على زيارة معرض الموبيليا بشارع الثورة، على عكس لهيب الأسعار حالياً حيث لا يقل سعر غرفة النوم العادية (بخ بويا) عن نصف مليون ليرة بينما تباع غرف (الفورميكا) بـ 750 ألف ليرة في حين تتجاوز الغرف ذات الجودة العالية أكثر من مليون ليرة.