علق في ذهني عند مشاهدتي للفيلم الوثائقي “ابن العم”، عن المناضل “رياض الترك”، حبات السمسم التي كان يصنع منها أشكالاً تساعده على قتل الوقت والسجان في آن معاً، تلك الطريقة التي استطاع من خلالها البقاء في “منفردة” لمدة “18 عاماً”، ليراودني سؤال لطالما أردت أن أعرف إجابته، كيف يرتبط مكان ضيق بقضية، وإن كان كذلك، كيف تتحول تلك الأمتار القليلة إلى حياة كاملة، بأحلامها وخيباتها وشخوصها.

أربعة أمتار، ليست تلك المساحة التي قضى فيها “ابن العم” سنوات اعتقاله الطويلة وحيداً، ولكنها، وبفارق التجربة وخجلي من المقارنة، شرفة منزلي الذي انتقلت إليه في واحدة من قرى جبل الزاوية، منذ ثلاث سنوات ومنذ احتلال قوات الأسد لقريتي في ريف حماه، وأيضاً منذ أن أصبحت “إرهابياً” بوصفه، حرّاً كما أقول عن نفسي.

الشرفة التي رفضت “زوجتي” أن تملأها بنباتات الزينة و “العراتلية” التي تتسلق جدرانها لتفوح منها رائحة العطر، وتوزعه في أرجاء المكان، كعادة أمي مع “أحواض الورد” في منزلنا القديم، والتي احتلت فيه نباتات “الحبق والعطرية وتم السمكة والعسلية” معظم المساحات الفارغة، “المفردات مطواعة، شتان ما بين احتلالين، وما بين النباتات العطرية ووجوه الشبيحة وأسلحتهم” قلت في نفسي، وأنا أعيد كلام زوجتي التي “لا تريد لها وطناً مؤقتاً أو بديلاً”، فـ “الزهور تحتاجنا للنمو”، ونحن ومنذ خرجنا “بلا أرواح”.

وحيداً، أفرغ العبوات البلاستيكية والمعدنية من ترابها، أقلبها في الهواء، أجهزها وأنا أفكر بما سأزرعه داخلها، سابقاً كانت أمي تخصص لكل زاوية من زوايا المنزل “زريعة محددة”، تجددها في كل عام، كانت تعتني بها “أكثر من عنايتها بنا”، تقول ممازحة وهي تضحك عند كل انتقاد منا للوقت الذي تضيعه “دون جدوى”، من وجهة نظرنا، اليوم أقف حائراً أمام هذه “الأصص”، الاختيار مهمة شاقة، ربما لارتباطها بحنيني إلى زهورنا القديمة، أو ذلك الخوف من “اقتلاعنا من جذورنا”، والذي بدأ يحاكي تلك الزهور التي “تركناها هناك”، نبحث نحن عن ماء للحياة، وتموت هي من الإهمال والغياب.

الغيوم التي بدأت تتجمع في السماء ورائحة المطر، أجبرتني على الإسراع، اخترت أن أزرع “البصل” في شرفتي، لم أكن سابقاً قد عملت في الزراعة، بالرغم من امتلاكنا لبستان كبير، بمختلف أنواع الفاكهة والخضار، لكن شعوراً غريباً رافقني وأنا أختار القزح (بذار البصل) من على الرف الذي كنت قد أعددته وملأته بأنواع (بذار كثيرة) كعادة الرجال في “الحيرة”، عند قيامهم بما لا يجيدونه، وحده البصل من علقت رائحته في أنفي طويلاً، لعلها الحاجة إلى البكاء أو ربما لوجه “والدي” وهو يعمل في بستانه، بعد أن أصبح اليوم عاطلاً عن “الزراعة”، يجول في أرجاء “علبة الكبريت” التي استأجرها، ويحدق في يديه.

ثلاث سنوات مرت، منذ ذلك الوقت، شرفتي اليوم مليئة بالمزروعات الشتوية، بالرغم من توافرها في الأسواق ورخص ثمنها، إلّا أنها باتت جزء من حياتي لا يقل أهمية عن كل شخوص هذا البيت، أعالج الأصص التي تهالكت، رافضاً تغييرها، أقلب التراب والمواسم، أبحث عن فسحة صغيرة لـ “عراتلية” جديدة، ستملأ جدران الشرفة، أوزع الحبق في أماكن مخصصة في مقدمة الشرفة، ألمس التراب، أتنفس، لعله التعبير الحقيقي الذي أشعر به.

لم أعدْ أعير اهتماماً لانتقادات زوجتي، وتهكم صديقي خالد، الذي “يصفق بيديه” كلما أجبرته على الجلوس في الشرفة، عند زيارته لي، يزداد تهكماً وأزداد “سعادة”، وأضيع في تلك الفسحة، منهمكاً باستئصال عشبة ضارة، أو ترميم “تنكة بليت”، أو مراقبة محصولي وهو ينمو كطفل أمامي، هو “الفقدان” ما يجعلنا نشعر “بقيمة الأشياء”، هو أيضاً ” مكان لمحاربة القهر والجلّاد، وطريقة لقتل الوقت، أو ربما تطويعه.

أُدرك الآن ما الذي كان يفعله “ابن العم”، في صناعة شرفة للذكريات، والانتقال إلى “اللامكان”، حيث كل ما نحتاجه “صناعة وطن لسنا مجبرين على الحياة فيه، ولن يستطيع أحد احتلاله أو حرماننا منه”.