ليس مفاجئاً أن يُفاجئك رزاز ماء على زجاج سيارتك، أو قطعة جلدية تحملها يد صغيرة لتمسح غبارها، أو أن يقترب منك مجموعة أطفال (ذكور وإناث) بأعمار صغيرة، يحملون أصنافاً مختلفة لبضائع “رديئة”، كـ “أكلات الأطفال أو أدوات زينة أو محارم أو بطاريات صغيرة”، يُلحون عليك في الأسواق والأماكن المزدحمة والحدائق وأمام المساجد لشرائها، أو أن تفاجئك “امرأة مسكينة بثياب رثة” تحمل طفلاً “مهملاً” لتستجدي ما تقول إنه “ثمن لعلبة حليب للطفل أو ثياب لتدفئته في الشتاء”، ذلك المشهد الذي كان مألوفاً في السابق في “المدن الكبرى” السورية، وإن زاد في الآونة الأخيرة بنسب كبيرة، إلا أن ما يفاجئك في الحقيقة، هو انتشار هذه الظاهرة في القرى والبلدات التي كانت تخلو من هذه الظاهرة، لأسباب كثيرة أهما الحالة الاجتماعية والتأثير العائلي السلبي لهذه الظاهرة على بيوتات القرى التي يعرف سكانها بعضهم البعض.

تنتشر في الآونة الأخيرة، وعلى نطاق واسع، ظاهرة التسول وأطفال الشوارع في محافظة إدلب، إذ لا يكاد يخلو زقاق أو شارع أو مركز تجمع من عشرات الأطفال الذين يمارسون هذه المهنة، وبأساليب متنوعة، وأحياناً مبتكرة، ما يستدعي البحث الحقيقي في هذه الظاهرة لإيجاد حلول مناسبة للحد من انتشارها.

أسباب الانتشار

يعدّ التفكك الأسري (الهجر والطلاق والعنف ضد أحد الوالدين)، والعامل الاقتصادي (غلاء المعيشة وانعدام فرص العمل) والعنف الأسري (التعرض بالضرب الجسدي أو المعنوي للأطفال من قبل الأهالي) والنظام التعليمي (انتشار ظاهرة التسرب الدراسي، حوالي 375 ألف طالب متسرب دراسياً في إدلب، بحسب إحصائية لموقع أنا برس، بالتعاون مع وزارة التعليم في الحكومة المؤقتة نشرت في شباط 2018)، إضافة إلى تراجع الخدمات الصحية، وزيادة عدد الأطفال (ذوي الاحتياجات الخاصة) والأيتام، بسبب تأثيرات الحرب، أهم الأسباب التي أدّت إلى انتشار ظاهرة التسول وعمالة الأطفال السوريين في محافظة إدلب، ناهيك عن غياب القوانين الرادعة والمنظمات الإنسانية التي تهتم بشؤون الأطفال والتوعية المجتمعية، وهو ما أجملته هناء دهنين (مسؤولة مكتب المرأة والطفل) محمّلة (مجلس المحافظة) المسؤولية الأكبر في انتشار هذه الظاهرة، معتبرة أن “التسوّل” أبرز مفرزات الحرب وأكثرها “بشاعة”، مؤكدة أن معظم الأطفال المتسولين يستجدون الناس “دون وعي وإدراك”، نظراً للاضطرابات النفسية والعقلية التي يعاني منها الأطفال، بسبب ضغوط الحياة وغياب الموجه.

وتسول الأطفال بالتعريف “هم الأطفال الذين نشاهدهم في الأماكن المختلفة يستخدمون عبارات وأساليب أخرى تفرض استعطاف الآخرين، حتى يتصدقوا عليهم بالمال”، بينما يعرفه لمرشد النفسي خالد خطيب بـ “ظاهرة طبيعية تحدث نتيجة ظروف غير طبيعية يمر بها الإنسان”.

وعليه فإن التسوّل ظاهرة طبيعية، قديمة، ومنتشرة في جميع بلدان العالم، بنسب متفاوتة، وكانت سابقاً، مشرعة في بعض الحضارات، على اعتبارها مهنة، كما اعتبرت حلاً في بعض الدول غير القادرة على “تأمين الاحتياجات الأساسية لمواطنيها”، كما حدث في إسبانيا والمكسيك، سابقاً، إلّا أن زيادة نسبة المتسولين دليل على “تشوه اجتماعي” بحسب الدراسات التي تناولت هذه الظاهرة، والتي أكدت على “استمراء بعض الأشخاص القادرين على العمل التسول، بعد كسر حاجز الخجل وبغياب القوانين”، فيما أكدت دراسات كثيرة “إن الأهل هم الدافع الأساسي لتبرير ظاهرة التسول أمام أطفالهم، ودفعهم لممارستها، لإعالة أسرهم” بحسب المرشد النفسي أحمد الحسين.

آثار ظاهرة التسول على الأطفال والمجتمع

بينت الدراسات النفسية (ظاهرة التسول لفاروق محمد العادلي) ظهور صفات خاصة مشتركة لدى المتسولين كـ “العدوانية” بسبب الإحباط النفسي، وعدم التمييز بين الخطأ والصواب، وانعدام مصطلح المستقبل لديهم، وهو ما يؤدي إلى تغييب شريحة اجتماعية واسعة “في مناطقنا، نظراً للعدد المتزايد”، وانحراف أعداد كبيرة من هؤلاء الأطفال الذين يميلون إلى العزلة ويعانون من احتقار الذات، ولجوئهم إلى ارتكاب مخالفات قانونية كـ “السرقة أو الجرائم الجنسية”، أو الإدمان على “التدخين أو الحبوب المخدرة أو الحشيش والمخدرات”، كما يمكن أن يكونوا عرضة للاستغلال من قبل بعض المجرمين أو تجار الممنوعات.

كما تساهم ظاهرة التسول في خلق جيل “اتكالي” يعتمد على “التعاطف أو الاحتيال”، وبسبب انعدام التفكير بالمستقبل يصبح “من الصعب إدراجهم في سوق العمل أو إعادتهم إلى التعليم”، كما يؤدي لاحقاً، إلى بناء أسر مفككة.

أساليب التسول

التسول التقليدي “الاستجداء” لطلب المساعدة (مالية أو عينية)، هو الأكثر انتشاراً، وذلك بسبب الطبيعة الدينية للمنطقة والتي تعتبر هذه الأعطيات بمثابة “الصدقات أو الزكاة”، وهو ما يفسر زيادة عدد المتسولين في المناسبات الدينية كـ “الأعياد وبعد خروج المصلين من المساجد، وفي أيام الجمعة”، إلّا أن أشكالاً أخرى بدأت تعرف طريقها في المحافظة، كـ “بيع بعض المنتجات، أو الادعاء بفقد واحدة من الحواس، أو غسيل السيارات في الطرق العامة، أو الاحتجاج باليتم أو شراء الألبسة المدرسية، أو التظاهر بالمرض”، وهو ما من شأنه تنمية الشعور بـ “الإذلال” بحسب دراسة ظاهرة التسول، وتحوّل هذه الظاهرة من حاجة إلى مهنة لدى الكثيرين، وهو ما يترك انعكاسات خطيرة في نفوس “المحسنين”، ليضيع “الصالح مع الطالح”، بحسب أبو محمد تاجر أقمشة في المدينة، والذي قال “كنت أخجل من نفسي حين أرفض مساعدة أحدهم، والآن مع الكثرة، وتحول التسول إلى مهنة، بات من الصعب التعرف على المحتاجين الحقيقين”، خاصة أن ميزة التعفف التي وصفهم بها الله عز وجل في اسورة البقرة غائبة عند الجميع ” لِلْفُقَرَاءِ الَّذِينَ أُحْصِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا يَسْتَطِيعُونَ ضَرْبًا فِي الْأَرْضِ يَحْسَبُهُمُ الْجَاهِلُ أَغْنِيَاءَ مِنَ التَّعَفُّفِ تَعْرِفُهُم بِسِيمَاهُمْ لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إِلْحَافًا ۗ وَمَا تُنفِقُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ”.

ويضيف أبو محمد أن المتسولين يمارسون ضغطاً عاطفياً كبيراً عند سؤالهم لحاجاتهم، وهو ما يجعل الناس “تتحاشاهم” في الطرقات، تاركين أثراً نفسياً من الصعب أن “ينسى” في نفوسنا، وغالباً ما يرافقنا بتأثيراته إلى بيوتنا.

القوانين الرادعة والمسؤولية

تحدد منظمة اليونيسيف عمر الأطفال بمن هم دون سن 18 عاماً، وتنص المادة 28 من ميثاق حماية الطفل على حق الطفل في التعليم وإلزاميته، كما تحمي المادة (32) الأطفال من الاستغلال الاقتصادي أو أداء أي عمل يرجح أن يكون خطيراً أو يمثل إعاقة لتعليم الطفل، ومع وجود القوانين السورية الرادعة للحد من ظاهرة التسول، والتي تتراوح فيها مدة العقوبة بالسجن بين شهر وسنتين (قانون العقوبات 559 وتفرعاته)، إلّا أن تطبيق هذه القوانين متوقف حالياً في محافظة إدلب التابعة لسيطرة المعارضة، والتي لم تقر قوانيناً بحق المتسولين، سواء في محاكمها العاملة بالقوانين الوضعية أو الشرعية، فيما يغيب دور المجالس المحلية والحكومات المتعاقبة وأجهزة الشرطة ومديريات التربية والمنظمات الإنسانية، بشكل شبه تام، ويقتصر على بعض الحملات التوعوية، حتى فيما يخص التسرب الدراسي أهم الأسباب المؤدية إلى التسول بحسب عدنان السليك مدير مكتب وزارة التربية والتعليم في محافظة إدلب.

حكايات واقعية

أمجد طفل في الثانية عشرة من عمره يجول بقطع من “البسكويت والسكاكر” في شوارع إدلب وأحيائها بعد أن تحول عمله هذا إلى مصدر الدخل الرئيسي والوحيد لعائلته بعد وفاة والديه بغارة جوية مخلفين وراءهم أربعة أطفال “أمجد أكبرهم”، يقول “تركت المدرسة منذ ثلاث سنوات، وما أجنيه من بيع البسكويت ليس الهدف، وإنما ما يعطيني إياه الناس من خلال استجدائهم ومحاولة استعطافهم”، يحب أمجد العودة إلى مقاعد الدراسة، ولكن “ليس باليد حيلة”، فعليه “الاعتناء بإخوته وتأمين لقمة عيشهم”، على خلاف خالد (11 عاماً) الذي أمتهن التسول بشكل علني وصريح فهو “يجري خلف المارة في الطرقات ويطلب منهم المال ويلح في سؤاله وقد يتعرض للإهانة والشتم نتيجة هذا الإلحاح”، يعيش خالد عند جدته المسنة برفقة أختيه، وذلك بعد انفصال والديه، يقول خالد “إنه لا يحب الدراسة وكان يهرب من المدرسة ويلجأ إلى الطرقات يتسول ليشتري بعض المأكولات والشراب والدخان الذي أدمن عليه مع أصدقاء جمعه بهم الشارع خلال التسول”.

ويفسر المرشد النفسي الخطيب ظاهرة اعتياد التسول “في بداية الأمر يكون التسول تلبية لاحتياجات آنية، لكنه يتطور لتعلم سلوكيات غير مقبولة في المجتمع سواء من خلال تقليد رفقة السوء أو من خلال الخوض في مغامرات جديدة لاستكشاف الواقع “، منوهاً “على أنه بتكرار فعل التسول يتحول إلى عادة وإدمان لا يستطيع الطفل تركها”.

حلول وتوصيات

إن مكافحة ظاهرة التسرب الدراسي تعتبر اللبنة الأولى للحد من التسول يقول “السليك” الذي يأمل بدعم أكبر وتنسيق بين الجهات المسؤولة والمنظمات الإنسانية لإعادة الأطفال المتسربين إلى المدارس، كما ترى هناء دهنين بوجوب تأمين “سبل للحياة” للأسر الفقيرة، ومساعدتهم بتنمية مستدامة، تغنيهم عن إرسال أطفال إلى الشوارع للتسوّل، إضافة إلى تأمين مجانية التعليم (قرطاسية –لباس) وتأهيل الطلاب المنقطعين عن الدراسة وتشكيل لجان لمتابعة الأطفال المتسربين والمتسولين وتوجيههم وإرشادهم، ونشر التوعية بمخاطر هذه الظاهرة في وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي.