مبنى متحف إدلب من الخارج في 2015 قبل إعادة التأهيل.
مبنى متحف إدلب من الخارج في 2015 قبل إعادة التأهيل.

يتجول الحاج عبد الله (أحد الباحثين في شؤون التاريخ) بين القطع الأثرية المُدمرة في حديقة متحف إدلب، يتأملها ويتمعّن في نقوشها وزخرفاتها، ” فلكلّ زخرفةِ حكاية عصر” وفق قوله، يتابع سيره فوق الرُكام وصولاً إلى المدخل الرئيسي للمتحف، يتردد في الدخول تكراراً فلا يريد أن يكون شاهداً على ضياع تاريخ حضارات بأكملها في زمن “الحرب”.
يخترق أصوات طُلابٍ من داخل المتحف صمته، يتتبع صدى الأصوات ليجد أن الحياة عادت إلى متحف مدينة ادلب، بعد أن تحول خلال السنوات الماضية إلى مكان مهجور، يتجوّل في صالات العرض، يُطيل النظر إلى القطع الأثرية ولوحات الفسيفساء، ويعود بذاكرته إلى سنين مضت، ليجد لوحةَ كُتب عليها ” تفصيل كلمة ادلب في السريانية أن الــ(إد) في ادلب تعني اليد، والــ (لبّ) هو القلب، واسمها يعني يد القلب وروح المكان “.
يقول “كنت شاهداً على تأسيس المتحف منذ عام 1989، وشكّل وجوده نقطة تحوّل في حياتي، مع كثير من أهالي المدينة، بعد أن أصبح بمثابة فسحة نعيش فيها ذاكرة الحضارات السابقة، لنشعر بأصالتنا ومديد حضارتنا” وعلى الرغم من الإهمال والتهميش الذي طال معظم المناطق الأثرية في المحافظة، خلال العقود الماضية، إلّا أن الحاج عبد الله يرى في خطوة “إعادة افتتاح المتحف” أملاً جديداً “للملمة ما تبقى من إرث المدينة التاريخي” للحفاظ عليه.

قطع فخارية داخل متحف إدلب
قطع فخارية داخل متحف إدلب

كما أطلق مركز آثار إدلب حملة لتوثيق القطع الأثرية في متحف إدلب قبل أشهر، ووفق النابو “فإن عملية التوثيق لم تنتهي حتى اللحظة، سنتمكن في النهاية من معرفة العدد الحالي للقطع الأثرية، وعدد القطع المسروقة. القطع المتحفية تكون بطبيعتها غير رائجة لدى بقية المتاحف وذلك لاحتوائها على استمارات خاصة وبطاقات تعريفية، ما يمكننا من ملاحقتها القانونية في حال تهريبها إلى بلدان أخرى، واسترجاعها، أسوة بما حدث في بلدان كثيرة كالعراق التي استطاعت استرجاع قطعها الأثرية بعد 15 عاماً من تهريبها”.
وعن آليات العمل والتوثيق يقول النابو إن العمل في المتحف بدأ بإعادة ترميم البنى التحتية من صيانة لشبكات الصرف الصحي والكهرباء، وتجهيز المكاتب المتضررة وصيانة المستودعات “تم ترميم المبنى بنسبة 15%، بكلفة 10 آلاف دولار”، ثم الانتقال إلى مرحلة التوثيق والأرشفة، ورفع مشاريع عمل من أجل حماية المتحف وتوجيه نداءات استغاثة للمؤسسات والمنظمات، خاصة اليونسكو (الراعية للآداب والفنون)، من أجل تقديم الدعم لحماية الإرث الثقافي المتواجد في محافظة ادلب، وخاصة متحف إدلب الذي يتواجد به مستودع حفظ القطع الأثرية للأجنحة التابعة لهذا المتحف سابقاً .

أثناء البدء بعمليات تأهيل متحف إدلب.
أثناء البدء بعمليات تأهيل متحف إدلب.

مسؤول صيانة المباني الأثرية في مركز آثار إدلب، عبد السلام الحمو قال إن ” 60 ألف دولار هو المبلغ اللازم لإعادة ترميم المتحف وإطلاقه بشكل كامل من صيانة وطرائق عرض وصيانة للخزائن المتحفية، وإعداد خطة العرض المتحفي، وتزويد المتحف بمخبر ومراسم هندسية، وبذلك يكون المتحف عاد للحياة من جديد”.

سقف المتحف قبل إعادة تأهيلها.
سقف المتحف قبل إعادة تأهيلها.

وأضاف الحمو ” أن متحف ادلب كــ بناء لا يُعتبر بناء تاريخي، فهو من بناء حديث، ولكن تكمن قيمته التاريخية بمحتواه من تنوع وغنى حضاري وشواهد تاريخية على الحقب التاريخية، إضافة للرقم المسمارية وعددها 15 ألف رقيّم مسماري أرخت تاريخ المنطقة قبل الميلاد، على خلاف متحف معرة النعمان الذي يحتاج إلى جهود أكبر في الترميم كون المبنى بحد ذاته تاريخي، وبالتالي ترميم المبنى يحتاج إلى جانب فني أكثر للمحافظة على روح البناء، ولدينا قاعدة بيانات يتم تحديثها بشكل دوري “.

أطلق مركز آثار ادلب العديد من المشاريع في متحف معرة النعمان، منها ترميم الرواق الشمالي الذي تعرض للقصف من معسكر الحامدية، وتنفيذ مشروع حماية لوحات الفسيفساء الموجودة في المتحف الذي يضم 2000 متر مربع من الفسيفساء والموزاييك، تمثل المشروع بتغطية اللوحات بأكياس الرمل لحمايتها من القصف.
بني متحف إدلب في المدخل الشرقي للمدينة وعلى مساحة تزيد عن 5000 متراً مربعاً، وتم افتتاحه خلال الندوة الدولية لآثار “إدلب” في شهر أيلول من عام 1989، في طابقين، ضمّ كل منهما عدداً من الأجنحة والصالات عُرضت فيها الآثار بتسلسل منطقي يبدأ من العصر الحديث وينتهي بعصور ما قبل التاريخ، ويحتوي الطابق الأول على “جناح التقاليد الشعبية” وقاعة “الفن الحديث” و “الجناح الإسلامي”، الذي يضم مخطوطة للقرآن الكريم تجاوز عمرها /750/ عاماً، و “الجناح الكلاسيكي”، في حين يضم الطابق الثاني “جناح إيبلا” و “الجناح المنوع” الذي تعرض فيه التنقيبات الأثرية في مواقع متنوعة من المحافظة، والتي تعود لفترات بعيدة اعتباراً من عصور ما قبل التاريخ وحتى الفترة الإسلامية.

من داخل متحف إدلب1

سنوات مرّت على إغلاق متحف ادلب، أصابه خلالها ما أصاب السوريين، ليعرض اليوم في صالاته ما تبقى من تماثيل وقطع ووثائق أثرية وأواني فخارية، بعد أن كادت تضيع ملامحه، يقول أيمن نابو لــ فوكس حلب إن ” الهدف من افتتاح متحف إدلب حفظ الإرث الثقافي باعتباره جزء لا يتجزأ من الإرث الثقافي العالمي، إضافة لأن يكون خطوة باتجاه تفعيل مديرية آثار إدلب لتعمل في كافة أرجاء المحافظة “.

من داخل متحف إدلب3

وتكمن أهمية متحف إدلب من نوع القطع الأثرية التي يحتويها، حيث يضم آلاف القطع الأثرية المؤرخة لحقب وحضارات متعددة، ولأنها تمثل شريحة واسعة من الامتداد التاريخي لسوريا.

من متحف إدلب4

وأكد النابو أن ” متحف إدلب أغلق أجنحة العرض وأسلوب العرض المتحفي عام 2011، وعمل على نقل القطع الأثرية إلى مستودعات تحت الأرض، حيث عمل على نقل كل جناح متحفي إلى غرفة مع الوثائق المختصة بها، وفي عام 2012 تمكنت قوات النظام من السيطرة على المدينة، وعملت على تحويل المتحف إلى ثكنة عسكرية، لتبدأ قواته بسرقة القطع الأثرية”، وكان مأمون عبدالكريم (المدير السابق للمتاحف والآثار السورية في حكومة النظام) قد أكد في تصريحات له أن “الغالبية المطلقة من القطع الأثرية في المتاحف السورية تم إنقاذها ووضعها في أماكن آمنة في دمشق”؟

من داخل متحف إدلب2

تتعمد مديريات المتاحف التابعة للنظام عدم حفظ السجلات وأرشفتها، كي لا تصل أرقام القطع الأثرية للهيئات الدولية والإنتربول لمتابعتها حين تهريبها خارج البلاد، وتعرضت متاحف عدّة للسرقة بشكل كامل كمتحف الرقة ومتحف تدمر، وبعض المتاحف سرقت بشكل جزئي، ويستغل نظام الأسد سمة الإرهاب للتغطية على اختفاء القطع الأثرية، والتي ظهر جزء منها في لبنان وتركيا وألمانيا وفرنسا.
وأضاف النابو “تعرض المتحف بعد تحرير المدينة عام 2015 إلى سرقة محتوياته من قطع أثرية مزيّفة، فلا يمكن لأحد الوصول إلى الطابق السفلي لعدم وجود مدخل، بعد أن قامت قوات النظام بإغلاق المدخل الرئيسي للقبو بنفس حجارة البناء ليبدوا المدخل وكأنه مجرّد حائط”.

جانب من أثار القصف الذي تعرض له المتحف في 2015.
جانب من أثار القصف الذي تعرض له المتحف في 2015.

تعرض متحف إدلب منتصف 2015 لغارة جوية استهدفت الأجزاء الشرقية من المبنى أدت لإحداث فتحة في أحد المستودعات وكشف محتوياته ودخول العديد من الأشخاص من ضعفاء النفوس وسرقة معظم القطع الأثرية من المستودع الذي بقي دون حراسة أو مراقبة، إضافة لتهشمّ العديد من القطع الأثرية الموجودة في حديقة المبنى، ليتعرض بعدها المتحف لغارة جوية في 2016 أحدثت نافذة في 3 طوابق من المبنى.

جانب من الدمار الي تعرض له المتحف قبل إعادة التأهيل.
جانب من الدمار الي تعرض له المتحف قبل إعادة التأهيل.

شهد المتحف في الفترة الممتدة بين عام 2015-2018 فترة هي الأسوأ خلال السنوات الماضية نتيجة ازدياد حالات السرقة، وسوء الوضع الفني نتيجة تسرب مياه الأمطار إلى جميع أقسامه وصولاً لمستودعات القطع الأثرية في الطابق السفلي.

تعد سوريا من أقدم الأماكن المأهولة في العالم، وتضم ست مدن أثرية و12 موقعا، مدرجة ضمن قائمة اليونيسكو للتراث العالمي، وأكثر من14 ألف موقعاً ومدينة أثرية، منها تدمر، أفاميا، معلولا، مملكة ماري، وإيبلا، إضافة إلى 65قلعة منها قلعة حلب، وصلاح الدين، قلعة الحصن. وبحسب وزارة الثقافة السورية فإن 785 موقع ومبنى أثري تضرر في سوريا منذ بدء الحرب وحتى مطلع 2016.