هناك ضمور ، في الآونة الأخيرة، تجاه القضية السورية بمفاعيلها المختلفة، لا يكفي أن نرجعه إلى “طول المدة” كما اعتاد السوريون، أو إلى “غياب الرؤية السياسية وضياع البوصلة”، وما نتج عنه من فقدان لتشكيل جسم سياسي يقود “الثورة”، وينظر لها، ويستلم زمام المبادة لإدارة مناطقها والتعريف بها في المحافل الدولية، بل والدفاع عن “عدالة مطالبها”، بل علينا البحث “في الأسباب الحقيقية” التي حوّلت الخبر السوري إلى “خبر مهمل”، يتذيل نشرات الأخبار والصحف والمواقع الالكترونية العالمية والعربية، إن وجد، وإلى خبر ثانوي في الجرائد والمجلات، في الوقت الذي تجاهد به “المواقع السورية الثورية” لإبقاء جذوة القضية متّقدة، ليشبعوا كل “فكرة أو قضية”، بحثاً ودراسة وتحليلاً، دون أن يجدوا آذاناً صاغية.

لعلّ من أهم الأسباب التي أدت إلى هذا التراجع، هو غياب “العدو”، فالنظام السوري وعلى رأسه “بشار الأسد” لم يعد عدوّاً فاقداً للشرعية، عند الكثير من الدول التي صرّحت، غير مرة، بذلك، متهمة النظام ورأسه بـ “جرائم ضد الإنسانية”، وبوجوب “التغيير”، وبصفات طالت “رئيسه” كـ “ذيل الكلب” و “الحيوان” وعلى أعلى المستويات.

وإن كان لا بدّ من المقارنة، فعلينا أن نبحث في أسباب تراجع الاهتمام بـ “القضية الفلسطينية” بوصفها القضية الأهم التي شغلت الرأي العام العالمي وخلال عقود من الزمن، بعد مجموعة من “الاتفاقيات” التي وقعت مع “العدو الإسرائيلي”، تلك الاتفاقيات غيّرت من النظرة العامة للكيان الإسرائيلي من “عدو” محتل لا يمكن الاتفاق أو التفاوض معه، إلى أمر واقع “يجب الإقرار بوجوده” والتفاوض معه لتحصيل جزء من الحقوق المسلوبة، وهو ما شهدناه في اجتماعات للرئيس الراحل ياسر عرفات، ومن بعده محمود عباس مع أشخاص يمثلون “العدو”، إضافة إلى اتفاقيات سرية مع العرب، والتي بدأت تظهر للعلن في الآونة الأخيرة، خلال زيارة نتنياهو لسلطنة عمان، وزيارة وزيرة الرياضة والثقافة “الإسرائيلية” لدبي، ومشاركة وفد رياضي “إسرائيلي” ايضاً، في قطر.

إن تمييع القضايا العربية الكبرى، تبدأ من تحديد الصفة، وانتقال النظام السوري من “عدو” إلى شريك في الحل، يتشابه في ذلك مع “الدور الإيراني” المتأرجح، والنظر إليه بوصفه “شريكاً أساسياً في الحل”، بعد أن كان وجوده يمثل “حجر عثرة في طريق الحل” في المجتمع الدولي، وشريكاً في “القتل” بالنسبة للسوريين الغائبين عن دائرة القرار، حاله كحال “روسيا” في وجدان السوريين وأفكارهم.

نقد “الثورة” و “قياداتها” هو السبب الثاني في سلّم الأسباب، إذ غاب عن المشهد السوري وجود “أشخاص” يحملون “كاريزما القائد” للمضي خلفهم، وانتهاج أفكارهم، وإن كان هذا الأمر دليل على وعي السوريين وكسرهم للحالة الصنمية التي عاشوها خلال حكم الأسدين “الأب والابن”، إلّا أنها من جهة أخرى أبرزت فقداناً للشخصية السورية الثورية “المثال”، والتي عادة ما تنتجها الحروب والثروات، والتي تتسم بـ “الكاريزما القيادية والطهر الثوري والنضالي”، ليحلّ مكانها انتقاد لاذع لمعظم القيادات السياسية منها والعسكرية، وارتباطها في ذهن السوريين بالتواطؤ والخيانة، وفي أفضل الأحوال، بالسرقة وتغليب المصالح الشخصية، والانقياد خلف “الدول الداعمة أو المنظمات المانحة”، لتبدأ المقارنة، وإن كان هذا التوصيف قاسياً، بين زمن الثورة وما سبقه من حكم النظام، وغالباً “ما ترجح الكفة لصالح زمن ما قبل الثورة”، لاعتبارات أهمها “عدم استبدال الطاغية بطغاة آخرين”، وليصبح السؤال المؤرق لدى السوريين، إذاً لماذا قمنا بالثورة، وتحملنا تبعاتها؟ خاصة وأن الجواب الأول الذي يخطر في بالهم “ليتصدر المشهد السوري مجموعة من الفصائل العسكرية التي تعمل لصالحها متناسية هموم السوريين، أو لتقسيم البلاد، مع حصر المعارضة في شريط حدودي فقير يتحكم بمصيرها مجموعة من الدول، بحسب مصالحهم الشخصية، كذلك تقسيم المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة إلى دويلات، بحسب أجندات الفصائل، بين درع الفرات وغصن الزيتون، والخلافة الإسلامية سابقاً، وهيئة تحرير الشام اليوم، وبين حكومات متناقضة كالمؤقتة والإنقاذ والمجالس المحلية وائتلافات عديدة ومنصات كثيرة ووفود مفاوضة تعجز عن اتخاذ موقف مشترك، ويفاوض كل منها بشكل منفرد، هذا إن كان له دور في المفاوضات”.

هذا الرجحان في الكفة لصالح زمن ما قبل الثورة، لا يعني القبول بحكم الأسد أو العودة إليه، ولكنه يعبّر عن حالة من اليأس والإحباط يعيشها السوريون اليوم، لانزياح الثورة عن مبادئها، ولما أفرزته من مشاكل وأخطاء، دون تغييب “فقدان الدافع” والدور الإعلامي “المتراجع”، فماذا يعني أن “تتصدر قضية قتل الخاشقجي”، للصحف العالمية والعربية ومنذ أسابيع، في الوقت الذي “تضيع فيه أخبار مجزرة جرجناز”، وتنقل كخبر “عادي”؟

سيقول كثر “إن الأخبار السورية كانت في العناوين الأولى ولسنوات طويلة”، وربما سيصف ما يُقال الآن، بأنه “نكران للجميل”، وعلينا أن نتساءل معهم “هل حٌلت القضية السورية، لتغيب”؟ ثمّ علينا أن نوغل أكثر في صلب القضية، هل نحن أمام إعلام حرّ ومستقل وشفاف، وإن كان كذلك، فهل دور الإعلام هو “السبق الصحفي بناء على حداثة الخبر”، أم أهميته “الإنسانية والحضارية”.

تُعيدنا هذه التساؤلات إلى القضية الفلسطينية، وكيف تحولت مع الزمن ورغبات الإعلام السياسي إلى أرقام، ليضرب بعرض الحائط كل القرارات الدولية والاتفاقيات والانتهاكات التي يقوم بها العدو الإسرائيلي، ولتختصر القضية بمتابعة محاكمة “عهد التميمي”.