في مقهى كلية الإعلام بدمشق عام 2006، والذي كان يقدم (شاياً أسود شديد المرارة وصمنة من جبنة القشقوان أقل ما يقال عنها إنها معفنة)، كان الحديث يدور حول دور الإعلام في سوريا وغيابه، مع ظهور أفق جديد بانطلاق بعض المواقع الالكترونية (لا تتعدى أصابع اليد الواحدة) وسقف الحريات والشفافية، دون أن ينسى الحاضرون (التهكم) على الإعلام السوري وخطابه الخشبي، شاب ناعم بلهجة دمشقية محببة أراد أن يدلي بدلوه في النقاش، ليتحدث عن الموهبة والملكة التي يجب على الصحفي امتلاكها قبل الولوج في عالم كالصحافة، ليسأله أحدهم عن الطريقة التي اكتشف بها موهبته قبل أن يدخل كلية الإعلام، لم يكن الجواب صادماً، بل كان متوقعاً، (من صغري وأنا بحب اسمع أخبار، وهيك حسيت أنو لازم كون صحفي)، ضحك الجميع وقدموا له “صندويشاتهم” غير الصالحة للأكل عرفاناً وتقديراً لموهبته.

ومع بداية الثورة السورية، وجد الكثير من السوريين أنفسهم أمام مهمة أخلاقية فرضها عليهم الواقع المُعاش، وانقسموا بين مؤيد ومعارض، ليأخذ كل منهم دوره الإعلامي، في توثيق ما يحدث أمامه، على شكل “بوستات” طويلة على صفحات التواصل الاجتماعي، أو صور وفيديوهات ترفع عبر شبكات أنترنيت بطيئة كالسلحفاة، بدقة ضعيفة وكوادر ولقطات خاطئة وفطرية في آن معاً.

لم يكن المهم في تلك المرحلة ما تفرضه الصحافة من “أطر وشروط وحيادية” إلى آخر قائمة الأشياء التي لا تنتهي، والتي اكتشفنا متأخرين أنها تمارس فقط على الأقلام الجديدة، وأن لكل وسيلة إعلامية أطرها التي تتعداها متى أرادت وتدوس عليها حين تقتضي المصلحة، والمصلحة هنا تخص سياسة كل مؤسسة التي توافق وتكمل سياسة البلد الذي يحتويها ويدعمها، أو السبق الصحفي، أيّاً كان ما سيخلفه من نتائج، لتغدو “أخلاقيات الصحافة” أمراً فضفاضاً يحدد سابقاً، ويتغير على عجل كيفما اتفق، وبما يناسب أصحاب القرار والسيادة على تلك المؤسسات.

مئات الآلاف، إن لم نقل ملايين، الصور والفيديوهات والأخبار، انتقلت بواسطة “شبان” لم يدخلوا عالم الصحافة يوماً، ولم يخطر في بالهم أن يكونوا مصدراً للأخبار، في وقت من الأوقات، يتلقفها بعض المتمرسين والوكالات، يصوغون منها أخبارهم وسبقهم الصحفي، كيفما أرادوا، حتى دون ذكر لأسماء مصادرهم، ولا حتى مراعاة الحقيقة في نقلهم لتلك الأخبار، ودون أي ثمن يدفع في البدايات، كل ما كان يشغل أولئك الشبان الذين تحولوا فجأة إلى “مواطنين صحفيين” هو إيصال صوتهم ومعاناتهم، معتبرين نقلها “منّة” فضل بها عليهم أصحاب تلك المؤسسات.

ومع دخول “الدعم المالي”، وإن كان ضئيلاً، بدأت تتحول هذه المهنة الفطرية إلى شكل من أشكال “العرض والطلب”، “يتبازر” عليها أصحاب المواقع والمؤسسات الإعلامية التي زادت بأرقام قياسية زادت عن المئات، بحسب أهمية الحدث وندرته وطريقة تصويره أو كتابته، ليتحول المشهد إلى ما يشبه “دكاكين الصحافة”، والتي بدأت بالتلاشي مع غياب كل حدث، ليتأكد القول الدارج بين ممتهني الإعلام في ذلك الوقت، “الحدث هو المهم، ونحن لسنا إلّا وسائل تشبه هذه المعدات”، وفي كل منطقة كانت تتراجع فيها حدة الأحداث، يغيب عن المشهد “مواطنوها الصحفيون”، وينسى ذكرهم.

في جعبة الكثير من مواطني سوريا الصحفيين عشرات الصور والمواد المكتوبة، يعود إليها في كل يوم، وهو يبحث عن مكان يحتويه، بعد ما تعرضت له منطقته من تهجير قسري أو نزوح، وتخلّت عنه المؤسسات التي كان يعمل بها، ليجد نفسه فارغاً هذه المرة، وهو يحاول البحث عن زاوية صحيحة للكتابة، أو مشهد تهتم به وسيلة إعلامية، لتصبح البضاعة المعروضة “كاسدة”، فعلى من يُلقى اللوم اليوم فيما وصل إليه حال المواطن الصحفي في سوريا؟

ذلك السؤال الذي يقض مضجع الجميع اليوم، إذ تحمّل وسائل الإعلام المسؤولية للجهات الداعمة، والتي بدأت بالتوقف تدريجياً عن تمويل مشاريع الصحافة، لطول المدة أو لتغير السياسات، أو لدعم أشخاص بمناطق أخرى ما زالت أحداثها مشتعلة وتتصدر وسائل الإعلام العالمية، كما تنتقد تلك المؤسسات عمل “المواطن الصحفي” الذي لم يعمل على تطوير “مهاراته” فغدت معلوماته “ساذجة ومملة وغير مهمة”، ناهيك عن الضعف الواضح بـ “أساليب الكتابة”، لصالح أشخاص جدد “مريحون”، يختارون مواضيعهم بعناية ودقة. فيما تتهم وسائل الإعلام العالمية، مؤسساتنا الصحفية، بعدم الدقة والانحياز، وغياب الحيادية.

ليبقى المواطن الصحفي الخاسر الأهم في هذه المرحلة، والذي حاول بقدر استطاعته تطوير مهارته وصقلها من خلال الدورات التدريبية والتعرف على أساليب الكتابة، ملقياً بالمسؤولية على تلك المؤسسات التي كانت سابقاً، تقبل منهم كل غث وثمين، وكأنها سعت لتدميرهم، فلا هي وجهتهم منذ البداية، ولا تركتهم فطريون كما بدأوا، لينطق لسان حالهم بـ “أكلونا لحم ورمونا عظم”، بعد مئات الشهداء الذين قضوا خلال التغطيات الصحفية، ليتحولوا هم أنفسهم إلى خبر عاجل، “ينسى كأنه لم يكن” بعد أيام، ودون ثمن أو دعم.

قدّم مواطنو سوريا الصحفيون طرقاً وأساليب صحفية جديدة، حتى وإن لم يقبلها صناديد الصحافة، فامتهنوا التوثيق والصحافة الروائية في التعبير عما حدث، واستطاعوا تغطية كل شبر وكل قذيفة وكل شهيد وكل طلقة بندقية، خلال السنوات الثمانية الماضية، واستطاعوا، وعن غير قصد، بناء ثقافة “إعلامية” للسوريين، ما سيشكل رافداً مهماً لسوريا بعد الثورة، بعد أن باتوا يحملون “عين الصحفي وقلقه” تجاه ما يحدث، وبعد أن أصبحت ثقافة الكتابة عن كل خطأ والإضاءة على كل حدث مهم أو تجربة جديدة، شغلهم الشاغل، وجزءً من المزاج الفردي والوعي الجماعي تجاه ما حدث وسيحدث، وإن كان علينا الإنصاف في هذا الجانب فيجب أن نستعير مقولة صحفية تقضي بأن “لاندفن المقدمة”، لإعطاء هؤلاء بعض حقهم، كي لا نعود إلى مقهى كلية الإعلام “نشرب شاياً أسود ونأكل الصمن المعفن ونستمع إلى أخبار التلفزيون الرسمي”.