لم يعد تأمين مياه الشرب المعقمة “رفاهية” بل بات “ضرورة” في المناطق المحررة، خاصة مع غياب القدرة على تأمين محطات فلترة ضخمة لإيصال المياه الصالحة للشرب إلى المنازل، وتلوث الآبار بمياه الصرف الصحي ومخلفات الأسلحة السامة، وانعدام الرقابة ومخابر التحليل التي من شأنها تحديد صلاحية هذه المياه للاستخدام البشري (لا يكفي صفاء لون المياه وخلوها من الرائحة لتحديد صلاحية المياه للشرب).

أبو نزير (مهجر من الغوطة الشرقية)، حطّ به المقام في مدينة الباب (شرق حلب) والتي تعاني من قلة المياه الصالحة للشرب، وتلوث معظم الآبار بالشوائب، عمل على نقل خبرته التي اكتسبها خلال السنوات الأخيرة، مع أربعة من رفاقه، لإنشاء مشروعهم الخاص لتعقيم وتطهير المياه، والذي يهدف “إلى إيصال مياه الشرب الصحية المعقمة إلى كل البيوت بسعر يناسب حتى أفقر العائلات”، على حد قوله.

وعن آلية المشروع  الذي أطلقوا عليه اسم “الحياة” يقول أبو نزير “طورنا العمل في محطة التطهير لإنتاج مياه بمواصفات عالمية” فمياه الباب “تحتوي على نسبة عالية من الأملاح والكلس، إضافة إلى الشوائب والرمال –تختلف النسبة من بئر إلى آخر”، ويتم التعقيم عبر عمليات الفلترة والفصل والتناضح وإزالة الجراثيم وذلك من خلال سبعة مراحل (رملية –فحمية –كلسية –جامبو للتنقية –التناضح العكسي –الأشعة فوق البنفسجية –الفلترة الجرثومية) وهي عمليات فيزيائية وكيميائية معقدّة يشرحها أبو نزير “تمر المياه عبر مضخة الدخل -4 حصان- لتدخل إلى المرحلة الأولى الرملية (لتنظيف الماء من الشوائب والرمل والأوساخ والحصى)، ثم تنتقل إلى المرحلة الفحمية (لإزالة الطعم والرائحة)، لتدخل إلى فلتر جامبو (يحتوي على حساس للتأكد من خلو الماء من الشوائب)، ثم تضغط المياه لتصل إلى المرحلة الأهم إذ تمر عبر خزان من المواد المعقمة يختلط بالمياه عن طريق التناضد إلى مسافة محددة للوصول إلى جهاز التناضح الذي يحتوي على حساسات ومكثفات (تتوقف في حال وجود خلل في المياه) كما يقدم عبر شاشة جهاز التناضح نسبة (الأملاح والكلس والشوائب والشاردة الإيجابية) ليعمل على فصل المياه غير الصالحة للشرب وطرحها  (إلى خزانات وتستخدم لأغراض أخرى كـ ري المزروعات والغسيل والشطف) عبر ضاغط (10-11 بار)، أما المياه الصالحة للشرب فتكمل طريقها إلى جهاز “يو في” أو قاتل الجراثيم (عن طريق الأشعة فوق البنفسجية) لتصل إلى خزانات التعبئة”.

ويحتاج الأطفال دون عشر سنوات إلى (0.8-1.4 لتر) يومياً من مياه الشرب، بينما يحتاج الإنسان البالغ إلى (1.6-2لتر) يومياً، بحسب دراسة أجرتها شركة “نستله” العالمية، ويعتمد سكان مدينة الباب، على شراء المياه القادمة من تركيا، وهي مياه “بمواصفات جيدة” بحسب أبو نزير، إلّا أنها مرتفعة الثمن، في ظل الظروف المعيشية التي يعيشها المواطن.

يقول أبو أحمد (صاحب محل سوبرماركت في المنطقة) إن سعر لتر المياه المستورد من تركيا ما يقارب (50 ليرة سورية)، وعليه فإن العائلة المكونة من خمسة أشخاص تحتاج شهرياً إلى (30 دولار) وسطياً لتأمين مياه الشرب، وهو ما يمثل 25% من دخل الفرد (لا يتجاوز دخل الفرد في مدينة الباب 125دولاراً).

ويرى أبو أحمد في مياه الحياة “حلّاً ناجعاً”، فسعر اللتر بـ (12.5 ليرة سورية)، وعليه فإن العائلة تدفع ربع كلفة ثمن المياه التركية.

ونتيجة لذلك لاحظ أبو أحمد إقبال السكان على شراء هذه المياه وانخفاض نسبة بيع المياه التركية بنسبة تتجاوز 30%، على حد قوله.

ويرجع أبو نزير السبب إلى اعتمادهم في مشروعهم على بيع المياه من خلال “عبوات مرتجعة”، ولذلك لا يضطر المواطن لـ “دفع ثمن العبوات وأغطيتها”، أو من خلال تزويد مراكز البيع بـ “خزانات سعة 1000 لتر” يتم تعبئتها بالمياه المعقمة وبيعها للمواطن مباشرة، وتتم مراقبة هذه الخزانات من قبل عامل مختص لفحص المياه عن “طريق جهاز” للتأكد من “سلامتها” ومنعاً “للتلاعب بمواصفاتها من قبل الباعة”. إضافة إلى تكاليف النقل والاستيراد و “فارق الدخل والعملة” المضافة على عبوات المياه المستوردة.

يشتري “أحمد السليمان” من سكان مدينة الباب عبوات من مياه الحياة بسعة 20 لتر أسبوعياً، ويصفها بـ “الجيدة”، ويروي لـ فوكس حلب معاناته من شرب المياه غير الصحية، سابقاً، في المدينة، “أطفالي كانوا يعانون من الإسهال الدائم، والأطباء فرضوا علي شراء المياه المعقمة”، ونظراً للكلفة العالية التي لا يستطيع تحملها، لجأ أحمد إلى “تعقيم المياه عن طريق غليها وتبريدها”، إلّا أنه وبوجود هذه المياه المعقمة “صار من السهل علي تأمينها، فكلفتها لا تتجاوز ثمن علبة بسكويت”، على حد قوله.