أي ضربة

لا أذكر في أعوام الثورة الأولى أن أحداً صفق للضربة الأميركية الأولى، لكن موضة الصفقات العسكرية تعالت مع أي قوة توجع النظام أو تحفظ ما تبقى من ماء وجهه، منشور على فيسبوك يرحب بأي ضربة “لو من المريخ” تكسر عظم النظام، وآخر يمجد بتصدي دفاعات الجو الإيراني مؤخراً لصواريخ أميركية استهدفت مناطق سورية، على خلاف الضربات الإسرائيلية، فالأخيرة سريعة إلى الحد الذي لا تسمح لأحد بأن يصفق لها أو يعترض عليها! دون أن تسمح بتنظيم حملة جديدة كتلك التي أعقبت التهديدات الأمريكية 2013 بضرب مواقع سورية (على صدورنا)، والتي كان جل أبطالها من النساء والفنانات وباتت سخرية مواقع التواصل الاجتماعي، ذلك أن “إسرائيل” تضرب ولا تهددّ ولا تنفع معها الصدور العارية.

وفي ما كان النظام وإيران يتبادلان المسؤولية عن ضرب مواقع في الجولان، وكل منهما يتنصل منها على طريقته، كانت “إسرائيل” تقصف دمشق، هذه المرّة وجد الشبيحة مخرجاً على وسائل التواصل الاجتماعي بالحديث عن المقاومة وضرب “إسرائيل” في جولاننا واستعادة الكرامة العربية، إذ لم يحدث يوماً أن شهدنا نحن الجيل الجديد قصفاً على إسرائيل من أراضينا السورية سوى ما قرأناه في الكتب من مقالات عن حرب تشرين “التحريرية”، حتى أن بعضهم ذهب إلى القول أن “النمر” سيخرجهم في حافلات خضراء كتلك التي هُجر بها أهلنا في الغوطة، لم يكن هناك طريقة أخرى للتعبير غير تذكيرنا بإجرامهم!.

لم تقم حلقات الدبكة أيضاً بعد الضربة الإسرائيلية على غرار ما حدث فيما أسموه “العدوان الثلاثي” الذي قاده ترامب “الأكثر جرأة من سابقه”، اتصالات هاتفية كثيرة تبادلناها للسؤال عن أمكنة القصف مع حذر شديد لئلا تكون الخطوط مراقبة، أمي كانت تومئ لي برأسها عبر مكالمة فيديو بعد أن تعلمت لغة الإشارة “أكملي ما لم أستطع قوله” وتغمز لي بأن أخي قد أتى قبل قليل يحمل معه الخبز، أضحك لغريزة الأمومة في وضعية الاستنفار قبل كل ضربة عسكرية وأذكر كيف أعدّت  لي قائمة من الطلبات (اكتبي..زيت وخبز وطحين وسكر ولاتنسي أدوية أبوك…) قبل التهديدات بالضربة الأمريكية، صديقتي في حلب أخبرتني على الهاتف أن صوت الرعد جعلها تختبئ وأطفالها تحت طاولة الطعام، “فأم القتيل تنام وأم المهدد لا تنام” بينما اكتفى صديق لي بالقول “هالخد تعود عاللطم”.

مرّت في ذاكرتي “عين الصاحب” منطقة لم أنسى اسمها، في 2003 كنت أتحضر لامتحان الشهادة الإعدادية، لم أعلم ما الذي خطر لوالدي الذهاب يوماً إلى تلك المنطقة ليلاً، كان اسمها غريباً كغيرها من المناطق والأحياء السورية. بعيد 12 ساعة على عودتنا، تصدر اسم المنطقة قنوات الأخبار، غارة إسرائيلية استهدفت المنطقة فجر اليوم التالي على زيارتنا لتكون أولى تجاربنا المعايشة للقصف الإسرائيلي.

2007 درس القومية الأول في بهو الكلية، يسرد المحاضر معلقات عن ضربة إسرائيلية أخرى استهدفت مبنى قيد الإنشاء في دير الزور، و(حق الرد) كانت تجربتي الأولى في سماع مصطلح مشابه لمفهوم (حق العودة) الذي بقي حق فعلاً دون عودة “المهم أنو في رد”.

2013…كانت ليلة صيفية ساخنة مملة كمللي من نزوحي، بدا قاسيون وكأنه مبتور، قسم كبير من المنازل لا إنارة فيها، فالتقنين يتضاعف، لكن ضربة إسرائيل الأولى للبلاد منذ اندلاع الثورة أحالت الجبل إلى بركانٍ يخور، شريط إخباري عاجل تلو الآخر يتحدث عن ضربة إسرائيلية استهدفت مقر الفرقة الرابعة على قاسيون ومركز البحوث العلمية في جمرايا، التي أخطأ المذيع في لفظها كسائر زملائه _ ليختم الخبر بتخمين نقلاً عن الفضائية السورية :(يبدو أنها غارة إسرائيلية…).

لم تكن كلمة (يبدو) بعد مقبولة لدى السوريين وكأن الأمر يبن يدي قارئة فنجان! طالعت فيسبوك ويوتيوب علني أرى جديداً مرئياً، لأصطدم بأحد اليوتيوبر ينشر فيديو يعنونه بأن (الانفجار أحد علامات على ظهور المهدي المنتظر!) عل الأمر بات يحتاج فعلاً لقارئة فنجان! وأخي الذي لم يمسك جهاز كونترول قط لم أراه مستنفراً في لعبة بلاي ستيشن كما أذكره تلك الليلة، لم تنم دمشق آنذاك، أذكر ليلتها حتى الرابعة أنتظر آذان الفجر، أرنو من الشرفة لأرى رجلاً يمضي في شارع ابن العميد بركن الدين، متمايلاً يحمل عبوتي مازوت، يبدو أنه لم يدرك ضربة إسرائيل بعد، جلس القرفصاء بين العبوتين يضحك ويغني يحاول إشعال سيجارة بين العبوتين، عله سكير أو فاقد لعقله!

أراحتني جملة لصديق قالها بعد الضربات الأمريكية الأخيرة: (بتعرفي؟ لو النظام عم يقصف كانت العالم خافت، بس كون أمريكا عم تضرب بيعرفوها مالح تقتل مدنيين أكتر من يلي قتلهم النظام، وحتى لو قتلت ناس، الوضع عامل متل أغنية “وتفجرت عبوة نسفت حياً لا يقطنه أحد مهم ومات من ذلك خلق كثير لكن بفضله لم يمت أحدٌ مهم”).

                                                                                                                                                                                                                                                                                                   رانيا عيسى