لم أعدْ أذكر إن كانت المدارس تغلق أبوابها في ميلاد الحزب العملاق، أم كان ذلك اليوم يوم احتفال وطني، كل ما أذكره هو تلك الأغنية المترافقة مع الصفقات الطليعية ذات الحركات المتتالية.

لم يكن الحزب نفسه يحلم بالوصول إلى الاستحقاق المطلق يوم تأسيسه، ليغدو الحاكم الفعلي بشخوصه لا بأفكاره، ولتفصّل منطلقاته الجديدة على قياس القائد الأوحد الذي يحتاج إلى حزب أوحد يُشرعن وجوده واستمراره الخالد إلى الأبد.

ما قبل الأسد الأب حملت ذكرى السابع من نيسان تاريخياً حقيبة أخرى وذاكرة مضادة في سوريا، من استقالة شكري القوتلي في 6 نيسان 1949 إلى موافقة اللجنة الدستورية بأغلبية 13 صوتاً مقابل عشرة على أن يكون دين رئيس الجمهورية الإسلام في عام 1950، وان تكون حرية الاعتقاد مصونة. كما حمل هذا اليوم في طياته حظر جميع الأحزاب السياسية من قبل أديب الشيشكلي في عام 1952.

في مكتبة بيتي كان هناك العديد من الكتب ذات الغلاف الأخضر، بعنوان المنطلقات الفكرية لحزب البعث، لم أجد رغبة في يوم من الأيام بمطالعتها، على الرغم من محاولتي لتصفحها في مرات عديدة، كان الكلام عن كوكب آخر لا يشبه سوريانا، وينافي واقعنا، ولكنه في حقيقة الأمر كان منهجاً عليك حفظه ومخالفته في غالب الأحيان، مع ارتباط تجذر المنطلقات النظرية على الألسنة لتنال حظك في وظيفة في بلدك، أو أن تفاضل على كرسي في الجامعة.

الحزب الذي تحول في ثمانينات القرن الماضي إلى حاكم مطلق يفرض سطوته حتى على القوى الأمنية والجيش، مع ظهور حركة الإخوان المسلمين، صارت هويته هي الهوية العليا في الدولة، ما زلت أذكر تلك الهوية المزينة بعلم سوريا على وجهيها والتي كانت لأخي الأكبر، بطاقة عضوية عاملة تستطيع من خلالها تجاوز دور فرن الخبز، هذا كل ما علق بذاكرتي يوم كنت طفلاً، وحين كبرت عرفت أنها كانت تعني أكثر من رغيف خبز، وتتعدى ذلك إلى ملء مفاصل الدولة بالحزبيين كقاعدة لتثبيت حكم الأسد.

مئات من أصحاب الشهادات المتدنية يتحكمون بمهندسين وأطباء ومدرسين وأساتذة جامعة، لا لشيء سوى لأنهم يملكون صك عبور على شكل هوية، وكأن كل من في هذا الوطن خائن حتى يثبت ولاءه.

تغيرت الصورة في زمن الأسد الابن، لم يعد الحزب مجدياً، وإن كان ما زال أحد الشروط المهمة للانخراط في أي عمل، ربما أصبح الجميع بعثيون، فسياسة “غصب عنك” التي انتهجت في المدارس والجامعات، حولت معظم الأجيال إلى أرقام حزبية. بات كل ارتباطهم بفكر الحزب الذي لم يقرؤوه “كأنا” هو مبلغ زهيد على شكل اشتراكات سنوية، يكلف بتحصيلها أمين الوحدة الشبيبية الذي يتم اختياره بالواسطة ك “غبي” ما زال يحفظ كلمة “رفاق” عن ظهر قلب.

لن أبحث اليوم في مبادئ هذا الحزب ومنطلقاته، ولن أحاول أن أكتب عن المصطلحات التي وردت فيه، لا لشيء إلّا لأن هذه الهوية ما عادت موجودة، ولم تكن جزء من حكم الأسد الابن، الهوية الجديدة تتبع للفرقة الرابعة أو لإحدى ميليشيات الدفاع الوطني، والثمن هذه المرة ليس دوراً على فرن خبز، بل دم وأشلاء وقتل وتعفيش ودمار على مساحة وطن.