لم أزر يوماً مدينة دير الزور، كلّ ما أحمله في قلبي لها تلك الأصوات الفراتية التي طالما شجيت بسماعها، وجاكيت الجلد البني سمة طلاب المدينة يوم كنا في جامعة حلب، وطبق الباميا الذي كان يصنعه لنا صديقنا الطبيب في حي طريق الباب، وهو يحمل كيساً مثلجاً منها، يرفعه بيده، ثم يقول لنا “وصلت بامية الحجة”.

هل فعلاً سقطت المدينة؟؟

يوم سقطت حلب وهجّر أهلها/نا هناك، خانتني أصابعي للكتابة عن أزقتها وشوارعها وشهدائها وأمهاتها وأطفالها، مئات من الفيديوهات تراكمت أمامي، الحقيقة أني لم أستطع إكمال واحد منها، استعرت رداء من اللامبالاة، لم أستطع البكاء أيضاً، ولم أستطع الصراخ، كل ما فعلته أني بحثت عن لعبة جديدة على الانترنيت، أنا الذي أكره الألعاب، وبدأت بقطع مراحلها والتدخين، وحين خرج آخر الأهالي من المدينة بكيت لأنني لم أستطع الكتابة.

هي المدن التي تتشابه، الأمهات اللواتي حملن ذكرياتنا وثورتنا ووجع منافينا وبرد أصابعهن، هن فقط من يحق له اليوم الحديث عن الثورة، الشهداء الذين خنا دماءهم، وتركناهم هناك تحت حكم الدود وآل الأسد وشبيحته معاً، هم من يحق لهم الحديث عن الثورة، والأطفال الذين سيكبرون بثياب رثة وثقوب في الأحذية يحق لهم أيضاً الكلام، ويحق لهم شتمنا نحن اللامبالون الصامتون، وإن أردت أن أستعير بعض وقاحتي “نحن العلاكين الباحثون عن مادة صحفية موجعة، نحرق ثمنها على سجائرنا وفواتير الكهرباء، المنافي لم تبق منا سوى تلك الفواتير التي نحتفظ بها في جيوبنا، وذلك الدور الطويل على باب الصراف الآلي بعد أن تصلك رسالة فحواها، مساعدتكم أصبحت جاهزة وتم تعبئة بطاقتكم بالمساعدة المالية”.

اليوم وأنا أتابع ضياع حلم مدينة جديدة في الثورة، وصلتني رسالة الدعم، ارتديت ثيابي على عجل ووقفت في الطابور، كلنا كنا ندخن، وكلنا كنا نسأل إن كان هناك زيادة في المساعدة لهذا الشهر، بعد أن أطلق أحدهم شائعته، “سمعنا انو زادو مصاري الكرت”، لم تكن هناك زيادة، ولكن النقود التي وهبني إياها الصراف الآلي كانت تحرق جيبي، هي ثمن دير الزور ربما، وربما هي جزء من ثمن حلب القديم.

في البيت سألت صديقي الصحفي، ما الذي تبقى من مدينة الزور، أجابني أنه لا يعرف جغرافيتها، نظرنا إلى عيوننا، كل منا كان يريد القول للآخر، “نحن لا نستحق هذه الثورة، فثورة يجهل أبناؤها جغرافيا أمكنتها، ستعريهم”.

الصورة لجسر دير الزور (انترنت).

مصطفى أبوشمس.