تطرّق فيلمٌ أتاحتهُ مؤخراً للمشاهدة عبر الإنترنت خدمة «Netflix» بعنوان «The Discovery» (الاكتشاف) إلى قضيّة أزليّة، لكنّها الآن تكاد تكون محط أنظار معظم أشكال الأطروحات العلميّة أو الفنّية المعنية بالجوانب النفسية لدى الإنسان، وهي قضية (الانتحار)، أو بمعنى آخر قضيّة أن تكون لديك فكرة ثابتة وغير قابلة للشك فيما يخص ما سيأتي مستقبلاً.

الفيلم على الرغم من كونه لم يصنَّف بأكثر من ٦.٣ من ١٠ حتى الآن على موقع IMDB الشهير -وهو تصنيف قليل مقارنةً مع أفلام أخرى- إلا أنه يحتّم علينا بشدة أن نأخذ موضوعه وفكرته وطرحَه الفريد على محمل الجديّة المطلَقة.

في المشهد الأول.. الطبيب توماس (Robert Redford) يجري مقابلة تلفزيونية على إحدى القنوات بعد مضي عامين على انتحار ملايين الشبان في الولايات المتحدة الأمريكية، وذلك إثر إثبات الطبيب علمياً وجود حياة أخرى بعد الموت.

أربعة ملايين شاب قتلوا أنفسهم، والأعداد تتزايد تباعاً بعد إعلان توماس عن اكتشافه الخالي من أية مسؤوليّة تجاه نفسه والعالم… إحدى حالات الانتحار تلك تمت على الهواء مباشرةً، قام خلالها أحد تقنيّي الصوت من طاقم المحطة بشُكر الطبيب عقب المقابلة التي أُجريت معه، وقتلَ نفسه.

مريضة بسرطان دماغي اعتبرت هذا الاكتشاف من الدكتور توماس هو بمثابة «ورقة يانصيب رابحة» إذ ستمكّنها الحياة الأخرى من العيش بسعادة، ما دفعها إلى قتل نفسها… شاب آخر كان (عامل جو) أكثر متعة، تمثّلَ بجرعة زائدة من مادة مخدّرة… إلخ؛ لك أن تتخيّل أشكالاً لا متناهية من طرق «الخلاص» أو حسب رأيي يمكنك أن تتخيّل أشكالاً لا متناهية من طرق «الهروب».

من ناحية أُخرى وسط هذا الكرنڤال الدموي الصاخب بصرخات المغادرة إلى العالَم الجديد، يشير الفيلم إلى أن عمليات الانتحار الجماعي تلك كان لها جانب إيجابي إذ ساهمت في تعزيز علاقة الناس بأقربائهم أكثر مما كانت عليه، ودفعت الكثيرين إلى إعادة وضع الاعتبار لأنفسهم ولخياراتهم في الحياة، وجمَعَت ضمن علاقة عاطفية ابنَ الدكتور توماس بفتاة حاولت الانتحار بعد فقدانها لابنها غرقاً.

بالعودة إلى جوهر مقتضى الفيلم، نراه يعالج عبر أسئلة وأجوبة كثيرة وكبيرة خطورةَ (الحقائق غير القابلة للطعن) التي من شأنها أن تودي بحياة الناس، أو تهدد الوجود البشري في ذاته، أو تتعهّد بإزالة الفوارق الكبرى بينه وبين الحيوان، إلى ما هناك من مفاهيم الخير والشر، الخطأ والصواب.. وهنا أتذكّر حواراً دارَ بين الطبيبين توماس وابنه، أقتبس منه جملة على لسان ابن الطبيب توماس يقول: «إننا مخطئون يا والدي، مخطئون لأن الملايين من البشر ماتوا.. لقد تحوّل اكتشافك هذا إلى عقيدة… أنتَ من يقتل هؤلاء».

ما فعله الدكتور توماس عملياً عبر اكتشافه هو جريمة قتل جماعيّة، لا بل هو «عقيدة» بكل ما للكلمة من معنى، إذ اشتغلَ الطبيب على اختيار البعض ممن حاولوا الانتحار، وأسكنهم في منزله بعد حوار أجراه معهم وفقاً لأسئلة محددة، وأطلعهم في غرفة خاصة على فيديو لـ «الآخرة» حسبما قال أحد الحضور في الفيلم، والذي رفضَ الحديث بتفصيل عما شاهده… كان هؤلاء المُختارون في غرفة الدكتور توماس بمثابة مبشِّرين بالاكتشاف، أو دعاة، أو سمّهِم أبواق، أو حتى “شبّيحة” إذا ما أردتَ استخدام كلمات معاصرة.

 

 

إن لهذا الفيلم ضرورة ملحّة تدفعنا للحديث عنه، خصوصاً إذا ما لاحظتَ هنا وهناك في مجتمعنا تَوق الكثيرين ورغبتهم أو حتى حاجتهم للموت، للنيزك، للمسيح الدجال، للمهدي المنتظر، لديكتاتور مجنون كدونالد ترامب عسى أن يحرق العالم بمن فيه، لا بل يعتبرون هذا خلاصاً -وهو ما يستثمره المستثمرون ببيع تذاكر المغادرة لمن يرغب-  في حين لا تتعدى تلك الرغبة هاجس الهرب وإغواءاته بكل ما تحمله تلك الإغواءات والإغراءات من عجائب وغرائب… إن تلك الرغبة ليست تعبّر إلا عن السخط والسعار الدامس الكامن في قلب الإنسان على نفسه وعلى الآخرين من حوله… إنها فتنة زوال العقل والتسليم بحقيقة لا مجال للشك فيها، إنها بهجة غياب المسؤولية، نشوة حريّة الأحلام بعيداً عن الوقائع غير الرحيمة.. إنها لذّة توقّف العالم كلياً وانتهائه في لحظة بوهيميّة.

في النهاية، عقب مشاهدتك للفيلم (ساعة و٤٢ دقيقة) لا بد أن يتهافت إلى رأسك سؤال واحد على الأقل… ماذا لو لم يكن ثمة حياة أخرى وأنني أعيش وأختار في هذه الحياة وفي هذا العالم الكبير تحديداً.. ما الذي سأختاره؟ وأي طريق سأسلك؟؛ أرجو أن تُسعفك الإجابة…

ختاماً، يُذكَر أن الماركسيين كانوا يحتقرون الانتحار ويعتبرونه فعلاً برجوازياً، وهذا بالتأكيد لا ينطبق على مجتمعاتنا الشرق أوسطية؛ من جهة أخرى يقول كاتب القصص القصيرة الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس إن «المنتحرين يفعلون ذلك ليعاقبوا أهلهم على إنجابهم في مثل هذا العالم»؛ أما درويش فيقول: «وأعشق عمري لأني إذا متُّ أخجل من دمع أمي» … تعالوا نخجل من دموع أمّهاتنا.

عبدالله الحسن