يوسف كان يتفلسف قبل تخرجه من كلية الفلسفة بجامعة دمشق. لم يكترث بالبحث عن عمل ضمن تخصصه ، لكنه دأب للعمل في المهنة التي ورثها هو وإخوته وهي خراطة المعادن. فكان يخرط الكلام قبل المعادن. فبعد أن أمعن النظام في دمار المدن السورية ، قرر السفر إلى تركيا مصطحبا زوجته وأولاده. وبعد البحث المضني عن عمل استطاع أن يفتح دكاناً متواضعاً يحتوي على المواد الغذائية والمستلزمات للسوريين وكل شيء متوفر عنده ، حتى انه خصص زاوية للأدوية. وأثناء زيارتي له، كنت أراقب طريقة عمله وأسلوبه في تعامله مع الزبائن وتعاملهم معه، اغلب زبائنه من النساء وفي حال غيابه يسألن أين الصيدلي. تأتي الزبونة فيستقبلها يوسف بابتسامته العريضة التي يظهر بها معظم أسنانه الكبيرة، يفهم مشكلتها ثم يصف لها الدواء فالتحاميل يوصفها كحبوب والحبوب تحاميل يتظاهر وكأنه صيدلي لكنه أضاع مداخل الدواء. هذه ليست مشكلة، فمع ذلك هو محبوب وموثوق, فقد أخذ صفة جديدة لتعامله مع الزبائن بالأدوية. يوسف  قدم اسمه منذ فترة للمفوضية السامية لحقوق الإنسان، كان محله مليئاً بالزبائن حين رن جرس هاتفه، وأخذ يومي للحضور بأن يخفضوا صوتهم ثم وضع يده على الهاتف وقال بلغته العامية “سمعونا خيو هي الأمم المتحدة بيحكو معي”. سكت الجميع حتى أنهى يوسف مكالمته بابتسامة عريضة توحي بتفاؤله. فجأة دخلت “أم محمد”، إحدى زبوناته، وعلمت بموضوع الأمم المتحدة. سحب يوسف كرسيه وبدأ يشرح لها عن الأمم المتحدة وأقنعها باصطحابه لها غداً عارضاًٍ خدماته وخبرته. يوسف أصبح خبيراً بحقوق الإنسان لدرجة أنه كلما رأى إنساناً يبدي اهتماماً يمساعدته. يوسف ليس مجرد إنسان، بل أكثر من ذلك. أجل إنه خريج كلية الفلسفة وخبير في خراطة المعادن والكلام. سألته ما الذي حدث، فقال: “غداً صباحاً عندي مقابلة مع الأمم المتحدة، وأنا الآن ذاهب للنوم. أنتظر الصباح لحضوري المقابلة”، فانفض الجميع بقرار يوسف, فأغلق المحل, ثم ذهب للنوم لاستقبال يوم قد يبعث له روح التفاؤل بإيجاد وطن بديل, ريثما يتم العثور على الوطن الأم بعد ضياعه….

 

 محمود جعفر