كعادة المسارح التي تتناوب على احتضان الأعمال التراجيدية أو الكوميدية السوداء، فمن الممكن أيضاً أن يكون المسرح ذهنياً أو فردياً وربما كان موسيقياً، أما عن مسرح الدمى المعروف عنه أنه موجه للأطفال، فهنا لا يمكننا تصنيفه هكذا لاسيما في هذه البقعة من الأرض حيث نحن الدمى التي يُتلاعب بها، وعلى مسرح الموت الذي سيسرد الكثير من التفاصيل، تعرض الحياة فصولها بكثير من الدقة ومزيج الحسرة والفرح. ربما أيضاً يمكننا تعميم وصف هذا المسرح ليشمل كل سوريا ، إلا أن مدينة حلب شهدت من الأحداث ما يؤهلها لتبدأ عرضاً لم ينتهِ بعد، وأن تكون كأحد الشعراء الذين لديهم دائماً الكثير من المغامرات لإغراء متابعيهم.

الفصل الأول : ترفع ستارة المسرح ويبدأ العرض .. حلب .. آرمون.. هليا ..أو بيروا حسب التسميات القديمة، الأسماء لم تعد تعني الكثير أمام الحوادث التي تتالت على المدينة.

لوحات سريعة لكل من الحضارة الرومانية والآرامية والآشورية والفارسية والرومانية والبيزنطية والإسلامية التي تعاقبت على أرضها، فكانت الخطوات الأولى على المسرح هي تعريف بسيط فقط لما سيأتي بعدها من سير وقصص ، لا لتفسيرها أو استنباط أسباب حدوثها وإنما كوشمٍ أنيق فقط باقٍ على كتف مدينة لا يمحى.

الفصل الثاني :يتغير ديكور المسرح، ليأخذ طابعاً إسلامياً .. فرسان وحروب قد مرت من هنا، عصر ذهبي لحلب عاصمة الدولة الحمدانية حينها، ثم زلزال يدمر المدينة عن آخرها.

تنهض المدينة من بين الركام، لتأخذ فيما بعد طابعاً عثمانياً، وتناضل بعد ذلك لنيل الاستقلال في ظل انتداب فرنسي للبلاد، ليكون أول رئيس حكومة وطنية هو سعد الله الجابري الذي تخلد ذكراه إحدى ساحات المدينة اليوم، والتي كان التظاهر فيها هو المبتغى لشباب ثورة الحرية في 2011.

الفصل الثالث : صمت وخوف مطبقين في ثمانينيات القرن الماضي، مدينة تتشح بالسواد والدم ، كلاهما يستدعي الآخر ويغذي حقده، عويل أمهات وأنين معتقلين، مجازر بحق الكثيرين ممن انتموا أو لم ينتموا لجماعة الإخوان المسلمين.

 تلك هي نقطة البداية التي ستأخذنا للحدث الأهم القائم، حيث سطر البعث بطولاته الدموية على جثث أهالي المدينة في عهد سفاح سوريا الأسبق حافظ الأسد.

الفصل الرابع : رخاء اقتصادي وعلاقات ودية وتجارية مع تركيا ، ثم تُختار المدينة كعاصمة للثقافة الإسلامية، يترافق ذلك مع قمع واستبداد فكري وديني وسياسي في عهد الأسد الابن الذي ظهر بدايةً كرئيس يحمل فكراً شاباً ويسعى لقيام علاقات سياسية جيدة، و يبدي فضله على الشعب ويسمح لهم بالمشاركة في الحياة السياسية، ومن صدق هذه الأكذوبة حينها تم اعتقاله لاحقاً.

تناوب آل الأسد ومخلوف على سرقة البلد، فينتقل الحكم بالوراثة وتسلم المناصب للعائلة الواحد أو للطائفة الواحدة بشكل أدق ليتغلغل القهر في مسامات الشعب السوري.

إلى أن جاء اليوم المحتوم ، يوم الانتفاض على الظلم الذي أطبق 40 عاماً، فتندلع الثورة السورية استكمالاً لمسيرة ثورات الربيع في العالم العربي من جهة ولتثأر بشكل أخص للأظافر الصغيرة المقتلعة في درعا من جهة أخرى. يصل البركان لحلب .. محاولات كثيرة للوصول لساحة سعد الله الجابري للتظاهر، مظاهرات يوم الجمعة في أحياء كالصاخور وباب الحديد وغيرهم من المناطق تطالب بإسقاط النظام ورحيل الأسد، لتتسع بعدها رقعة المظاهرات وتشمل غالبية حلب وريفها.

تتسارع الأحداث وتتعسكر الثورة نظراً للبطش الغير منتهي من قبل نظام الأسد، اعتقالات تعسفية طالت الكثير من المتظاهرين أو أقاربهم، يترافق النشاط العسكري مع المدني وتصبح جامعة حلب هي جامعة الثورة، فلقد قدمت عدداً من الشهداء، وأبدع طلابها في إظهار الثورة بأرقى صورها. يشتد الحقد ويلتهب لدى نظام البعث وخصوصاً بعد سيطرة الجيش الحر على مناطق عدة في ريف حلب، وليس لك أن تتخيل أن تصبح يوماً المدينة العاشقة للحياة مكاناً يلاحقك فيه الموت في أي لحظة ويخطف أنفاسك المتبقية، تُرسل البراميل لتمطر من السماء كهدية من ابن الطائفة البار، وتهطل الصواريخ على رؤوس المدنيين والأطفال لترديهم قتلى وتترك الكثير منهم تحت الأنقاض.

حلب التي كانت المشتهى لكثير من السوريين لك اليوم أن ترى فيها من الخراب مالا يمكن أن تصدقه، عائلات نازحة في الداخل والخارج، فقر مدقع يحوم في شوارع المدينة مع شبح الموت.

واستكمالاً لعقوبات القتل الممنهج، حاول الأسد ولازال تركيع المدينة من خلال قطع الماء والكهرباء والهواء لو أمكنه ذلك، يموت السكان اليوم جوعاً أو برداً أو قنصاً و غدا الأطفال ضحايا أمراض لم تعد مميتة خارج حلب ، لكنها مميتة حتماً فيها لمنع النظام دخول الدواء وقتل واعتقال العديد من العاملين بالإغاثة.

الكثير من المدارس اليوم باتت على الأرض نتيحة القصف، والكثير من الأطفال أضحوا اليوم بلا تعليم ونزلوا للشوارع بحثاً عن لقمة العيش بعد غياب الأب في السجون أو الموت أو ربما على الجبهات.

اليوم .. تتسابق قوات الأسد ومرتزقته مع تنظيم داعش مع بعض الفصائل العسكرية على إنهاء ما تبقى من المدينة، وتستمر الانتهاكات بحق البشر ليصبح المواطن الحلبي مطلوباً لجهات عدة.

وكما كانت المدينة تشتهر بأدبائها وفرسانها وشعرائها، تعرف اليوم ببائع البسكويت الشهيد الطفل مصطفى عرب، والطفل الرجل صاحب مقولة "سامحني يوب" وبالشهيد عبد القادر الصالح وغيرهم كثر.

 وعلى تنوع أشكال الموت لا تزال المدينة تحاول المقاومة لنيل حريتها من جهات عدة.

للمسرحية كواليسها التي لن تروى كاملة إلا بزوال قوى الظلام كافة، ولازال الجميع ينتظرون إسدال ستارة النهاية على 4 أعوام يشيب لها الولدان، وتبقى اليوم حلبْ …. مسرحاً كبيراً للموت لا  للطرب.

 

"رودس"